الشنقيطي
129
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِإِحْسانٍ » [ البقرة : 229 ] . والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري ، هو ما قاله الكرماني : من أنه تعالى لما قال الطَّلاقُ مَرَّتانِ [ البقرة : 229 ] علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين ، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة ، جاز جمع الثلاث ، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق وجعل الآية دليلا لنقيض ذلك ، قال مقيده - عفا اللّه عنه - الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض ؛ لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر ، بل المراد بالطلاق المحصور : هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا ، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير . وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة ، ولا يخفى عدم ظهوره . ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد ، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر وسنذكر أدلة ذلك ، وأدلة من خالف فيه ، والراجح عندنا في ذلك إن شاء اللّه تعالى ، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحا تاما . فنقول وباللّه نستعين : اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة ، حديث سهل ابن سعد الساعدي ، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه ؛ فإن فيه « فلما فرغا قال عويمر : كذبت عليها يا رسول اللّه إن أمسكتها فطلّقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين » « 1 » . أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه ووجه الدليل منه : أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة ، ولم ينكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث ؛ بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان فلم يصادف تطليقه الثلاث محلا ، ورد هذا الاعتراض ؛ بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة ، فلو كان ممنوعا لأنكره ، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان . وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب ، ولا سنة صريحة ، ولا إجماع . والعلماء مختلفون في ذلك . فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان ، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معا ، وهو رواية عن أحمد . وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان ، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة ، وهو قول سحنون من أصحاب مالك .
--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الطلاق حديث 5259 ، ومسلم في اللعان حديث 1 .